Home Page Image
PAGE 1 >
PAGE 2 >
 

 



   النــــزوح عن يـــــانوح

اقام الحبيشيون طويلاً في يانوح ، على ان خلافات وقعت بين المشايخ الحبيشيين وجيرانهم الشيعة ، افضت الى اختلال الأمن ، وتفاقمت الحال بعد مقتل احد الزعماء الشيعة على يد الشيخ " خليل حبيش " واشتدت الخصومة حتى اضطر الحبيشيون الى الهجرة من يانوح ، فنزلوا
 " غزير"  حيث صادفوا الراحة والامان ، بعد معركة مرج دابق التي انتهت باتصار السلطان العثماني سليم الاول ، ومصرع قانصو الغوري .

وجاء ايضاً في كتاب " تاريخ الأزمنة " للعلامة البطريرك " اسطفان الدويهي " ما نصه :

وفي سنة 1516 ، قدم الشيخ " حبيش" بن موسى بن عبد الله  بن مخايل مع عياله من يانوح الى غزير كسروان واستوطنوها ، وكان له اربعة اولاد وثلاثة اخوة .

اما اولاد الشيخ حبيش المشار اليهم فهم:

ابو يونس ( سليمان )
ابو منصور ( يوسف )
ابو ابراهيم ( خليل )
ابو مهنا ( الزين )

اما خليل الآنف الذكر ، الذي لقب بــ " الملاّط " بعد قتله الزعيم الشيعي ، فذهب واستوطن قرية " فالوغا " في قضاء المتن الجنوبي مع سلالته واتخذ بلدة بعبدا مقرا" له ، ولا يزال الملاّطيون من سكانها حتى اليوم . وقد كان منهم وما يزال رجال علم وأدب وقانون .

اما " يونان " اخو الشيخ " حبيش " فقد لقب بالحاج لأنه زار القدس الشريف ،     واختار ناحية " جبيل "  مقاماً ، فنزل قرية " إده " المعروفة ، ولكنه اخفى على الناس كنيته الحبيشية تفادياً للإنتقام ، اذ كانت " جبيل " وقراها في ذلك الحين تعجّ بالعشائر الشيعية . هذا وقد شاع في المنطقة عندئذٍ اسم " يونان " فلقب هو بلقب " إده" تميزاً عن سواه ، باسم القرية التي استوطنها وتملّك فيها ، ومنه سلالة إده المعروفة حالياً في لبنان . وقد جاء في مقال للأستاذ جرجي نقولا باز بجريدة البيرق  الغراء تاريخ 3 و 4 تشرين الاول سنة 1949 ما يأتي :

جاء " يونان بن موسى عبد الله " اخو الشيخ " حبيش " جدّ الأسرة الحبيشية الكريمة فجر الجيل السادس عشر من دير الأحمر في بلاد بعلبك الى يانوح ، وتوّطن إده ، وتكاثر نسله فيها ، واشتهر منهم عدد كبير .

اما القليل ممّن بقوا من عائلة حبيش اليانوحية فلم يلحقوا بنسيبهم الشيخ " حبيش " وأولاده واخوته ، وانما تفرقوا ، فمنهم من عاد الى دير الأحمر حيث تكاثرت سلالتهم ـ عائلة حبشي الحالية ـ ومنهم من استوطن قرية " كفرزينا " في زاوية " بشري وحافظوا على اسم حبيش ومنهم مختار البلدة المرحوم " وهيب حبيش " الذي قتل خطأ في الموقعة التي حدثت بكنيسة "مزيارة" سنة 1957 ومنهم فريق استوطن منطقة عكار والقبيات تحديدا وقد حافظوا على اسم العائلة ورفعوا رأسها عاليا ومنهم الوزراء والنواب والقائمقامين والمحامين ومنهم من ركب البحر واتخذ بعض الجزر التركية واليونان وسواها مقاماً ، وقد عاد منهم الينا منذ اربعين سنة بعض الانسباء . بينهم المدعو سليم حبيش ومنهم من استوطن فلسطين ويعرفون هناك بعائلة الكسار .

امراء آل عساف والمشايخ الحبيشيين

في سنة 1516 حكم الأمير "عساف التركماني " كسروان وجبيل والبترون وعكار ، وامتد حكمه بعدئذٍ الى بيروت وحمص وحماه ، فجعل عاصمته " عزير " واستعان بالمشايخ ابناء " حبيش " فقرّبهم اليه واتخذ منهم مستشارين او معاونين له في الحكم ،  ومن مستشاريه الشيخ ابو منصور ( يوسف ) وأخوه الشيخ ابو يونس ( سليمان ) لما اتصفا به من حصانة في الرأي ورباطة في الجأش وحسن التدبير . فوثق الأمير بمعاونيه من آل " حبيش " وأطلق يدهم في الحكم . وقد ذكر الخور اسقف  " بولس قرألي " ، بأنهم افتتحوا اعمالهم بمساعدة الموارنة الذين كانوا محصورين في شمال لبنان ، ما بين البترون وجبيل وجبة بشري وعكار ، فنزحت كثرة منهم على الأثر الى كسروان والفتوح .

ومن مآثرهم الكثيرة انهم اتخذوا غرفة في قصر الأبراج ( مسكنهم في غزير ) ثم حوّلوها الى كنيسة اطلقوا عليها اسم " سيدة الابراج " .

وكان الحبيشيون يتفردون بالأحكام دون اللجوء الى المراجع ، وكانوا مرجعاً لأبناء الطائفة في شؤون الحياة العامة والخاصة ، فكانوا رجال دين وسيف وقلم وادارة في آنٍ واحد ، وشغلوا أعلى المراكز . وقال فيهم الأب " غودار " ( Goudard ) انهم كانوا اشداء طوال القامات ، من النصارى المتمسكين بدينهم ، فبسطوا نفوذهم عدة قرون ، برهنوا خلالها عن قدرة سياسية فذة وبارزة .

وفي سنة 1518 ، لما تولّى الحكم الأمير " قيتبيه " ابن الأمير " عساف التركماني " قضى على الشيخين يوسف واخيه سليمان حبيش بالنفي الى مصر ، لأنهم تعاونا مع اخويه الأميرين  حسن وحسين اللذين قتلهما غدراً في بيروت .

وفي سنة 1523 توفي الأمير " قيتبيه " العسافي ، فتولى الحكم مكانه الأمير منصور وهو ابن اخي الأمير حسن .

وفي سنة 1528 ، حنق محمد آغا شعيب والي طرابلس على الأمير منصور عساف ، لأنه ناصر الأمراء اولاد سيفا الأكراد الذين قتلوا اهل عرقا اقاربه ، فأوفد الأمير منصور اليه الشيخ يوسف والشيخ سليمان الحبيشيين على رأس خمسماية مقاتل ، فكمن الجند عند حارة الحصارنة  ولما دخل الشيخان جامع طينال ( بطرابلس ) لإجراء المحاسبة ، وثبا على محمد آغا فقتلاه هو وابنه ، بحضور القاضي . ولما استفتي القاضي في امرهما ، برّأ ساحتهما من دم القتيلين .

وسنة 1534 ، طفق عبد المنعم يسعى لدى الأمير منصور العساف  في اهلاك ولدي " حبيش " فلما بلغهما ذلك اعلما الأمير " منصور " بالمؤامرة المدبرة لقتله بين عبد المنعم والأمراء الحرافشة . فأمرهما الأمير بقتله ، فداهماه في داره ليلاً بجوار سراي الأمير وقتلاه ، وقتلا معه احد عشر رجلاً من بني عمّه . فطاب خاطر الأمير وجعل الشيخ ابا منصور " يوسف " واخاه الشيخ " ابا " يونس " سليمان حبيش مدبرين له .

وسنة 1572 ، صدرت الأوامر من السلطان سليم تقضي بتوزيع واحد وعشرين الف سلطاني على البلاد اسعافاً للعسكر العثماني المحاصر لــ " قبرص " وبالاستيلاء على جميع الكنائس والأديرة ووقوفات النصارى بأسرها ، وتملكها او بيعها ، فاغتاظ النصارى ، واحزنهم ان يذهب هدراً ما جمعه آباؤهم بعرق الجبين ، فعجزوا عن المحافظة عليه . فعرض بهم  وذلوّا ، واشتهى الكثيرون منهم الموت . ولم ينج من هذه المصادرة سوى رزق دير " قنوبين " الذي حماه البطريرك بنفوذ الشيخ ابو منصور يوسف حبيش .

وسنة 1570 ، لما استولى اهالي بيروت على كنيسة الموارنة التي كانت تقع داخل السور في سوق ابي النصر الحالي وحوّلوها الى قيسارية تجارية ، لم يبق للموارنة سوى كنيسة واحدة خارج السور هي كنيسة مار جرجس . ولما كانت ابواب المدينة تقفل عند غياب الشمس ، اتفق الشيخ ابو منصور يوسف بن حبيش ( الماروني ) مع مشايخ بيت الدهّان ( الارثوذكس ) على الاشتراك في الكنيسة الارثوذكسية داخله ، وهكذا تعاون الموارنة والاثوذكس في اقامة الصلوات

وفي 19 ايلول سنة 1583 ، توفي الشيخ ابو منصور يوسف حبيش ، الذي كانت له دالّـة على الأميرين منصور ومحمد ، وكان ذا سطوة وغيرة عظيمتين ، فتولى الكوخنة من بعده اخوه الشيخ  ابو يونس ( سليمان ) .

ويقول المؤرخ الكبير الدكتور " كمال سليمان الصليبي " بملف النهار عدد 40 تاريخ 5 كانون الثاني سنة 1970 عن الامراء العسافيين وآل حبيش ما يأتي :

وكان الشيخ حبيش ، من موارنة يانوح ، في جبّة المنيطرة ، وقد انتقل في اوائل العهد العثماني الى كسروان واستقر في غزير ، قاعدة آل عساف ، ودخل ابناؤه واحفاده في خدمة الأمراء فاستعان بهم الأمير منصور ، الذي ولّي الامارة عام 1523 ، في القضاء على مناوئيه من الشيعة وغيرهم ، وهكذا عظم شأن آل حبيش حتى اصبحوا الأسرة الاولى ، بعد الأمراء في المنطقة . واصبحت لآل عساف عن طريق آل حبيش ، صلة بالموارنة في بلاد طرابلس ، فأخذ ملتزمو الحكم في طرابلس يلزمون المناطق المارونية للأمير منصور ، موكلين اليه تدبيرها وجباية اموالها ، ونجح منصور ، بمساعدة آل حبيش ، في ضبط المناطق الموكولة اليه . وامتد حكمه مع الزمن حتى شمل جميع بلاد طرابلس عدا المدينة ، كما شمل مدينة بيروت ، وكان الموارنة في جميع هذه الانحاء يرون في الأمير العسافي صديقاً وحامياً لهم . وصارت لآل حبيش زعامة يعترف بها جميع ابناء الطائفة  .

وكانت زعامة آل حبيش من نوع جديد لم يألفه الموارنة من قبل . اذ لم تكن دينية كهنوتية كزعامة البطاركة ، كما انها لم تكن محلية ضيقة كزعامة المقدمين ، ولم يكن هناك اي تنافس بين البطاركة والمقدمين ، بل بالعكس ، اذ كان آل حبيش شديدي الغيرة على مصلحة الكنيسة المارونية ، يحمونها من جور حكام طرابلس ويدعمون بطاركتها ضد مقدمي بشري الذين استمروا يناوؤنهم من وقت الى آخر .  وكان المقدمون منذ عهد المماليك ، في بشري وغيرها من القرى والمناطق ، اشبه ما يكونون برؤساء عصابات ، يفرضون هيبتهم على الشعب بالقوة ويبذلون معظم جهدهم للمحافظة على مصالحهم الخاصة ولاسترضاء ممثلي الدولة في طرابلس  حتى لو كان ذلك على حساب كنيستهم وطائفتهم . اما آل حبيش ، فارتكزت مكانتهم بين الموارنة على قربهم من آل عساف وقدرتهم على خدمة مصالح الكنيسة والطائفة عن طريق الأمراء .

وتمكن آل حبيش ، كوكلاء للإمارة العسافية ، من الاطلاع على شؤون البلاد الداخلية والخارجية الى حد لم يتمكن منه غيرهم ، فاصبحوا ذوي خبرة واسعة ، واصبحت لهم علاقات قوية مع النافذين في مختلف المناطق التابعة لآل عساف ، وكذلك مع زعماء المناطق المجاورة ، ولربما اتسعت اتصالاتهم الى ابعد من ذلك ، ووضع آل حبيش خبرتهم وامكاناتهم في خدمة كنيستهم وابناء طائفتهم دون حساب اذ كانوا ، بسبب قربهم من الأمراء ، في غنى عن ذلك .

وعطف الأمراء العسافيون على الموارنة واعتنوا بهم اعتناءً لم يصدر عن حاكم من قبل . ولم يكن حكم آل عساف من النوع ذاته الذي عهده الموارنة عند حكام طرابلس  ذلك ان نواب طرابلس المماليك ، ومن بعدهم الولاة وملتزمو السنجقية في العهد العثماني ، كانوا يمثلون حكماً اسلامياً قائماً على الشرع يضع مصلحة الاسلام والمسلمين مبدئياً ، فوق كل مصلحة . اما آل عساف ، فكانوا مسلمين سنيين من ناحية الدين ، الا ان حكمهم كان قائماً على عرف اقطاعي وتقاليد محلية وبعيدة كل البعد عن الشرع . وكانت مصالحهم كأمراء مصالح اقليمية لا تمت الى العصبية الدينية بصلة . وهذا ما افسح في المجال لدخول الموارنة كعنصر فعّال في الأمارة العسافية . والتقت مصالح الطائفة المارونية ومصالح آل عساف مادياً ومعنوياً فنشأت بين الفريقين وحدة حال لم يأنس لها المسلمون وممثلو الدولة العثمانية في طرابلس ودمشق .

وتخوّف العثمانيون من تعاظم شأن آل عساف ، وجدوا في البحث عن منافسين لهم في بلاد طرابلس للحدّ من سطوتهم . ووقع اختيارهم على يوسف سيفا ، كبير زعمار عكار ، فأخذوا يقوّونه ويرفعون من شأنه . وما حلّ عام 1579 حتى اعيد تنظيم بلاد طرابلس كولاية منفصلة عن دمشق ، فأطلق على يوسف سيفا لقب الباشوية وعيّن بكلريكياً ، اي والياً عليها . وانكسرت على الأثر شوكة آل عساف في المناطق الشمالية من جبل لبنان ، الا انهم بقوا اسياد الموقف في كسروان حيث خلف الأمير محمد والده منصور عام 1580 .

ولم يعتل الأمير محمد عساف  عرش ابيه حتى شعر به يتقلقل تحت قدميه . ففي السنة 1590 ذاتها توصل يوسف باشا سيفا الى ايقاع الأمير محمد عساف في كمين بين البترون والمسيلحة وغدر به بينما كان هذا الأخير ذاهباً لمحاربته ، فانقرضت به دولة بني عساف اذ لم يكن له ولد يخلفه . وفي السنة  1593 تزوج سيفا باشا ارملة ضحيته ووضع يده على جميع املاك آل عساف واموالهم ، وقيل انه وجد في خزانتهم مائة كرة من القروش ، وقتل من كواخيهم الشيخ سليمان والشيخ منصور والشيخ مهنا اولاد حبيش ، ولجأ الشيخ يونس والشيخ حبيش اولاد الضحايا الى الأمير محمد بن جمال الدين التنوخي في المناطق الدرزية . فجعل الباشا سيفا بني حماده بدلاً من الحبيشيين ، وانتقلوا جميعاً مع الست من غزير الى طرابلس .

وقد جاء ايضاً في الجزء الثالث من تاريخ الموارنة ، للمؤرخ الاب بطرس ضو في الصفحتين
( 520 و 521 ) ان المشايخ بني حبيش ، كانوا الاولين من الموارنة الذين جاؤوا كسروان ، ويضيف عن المؤرخ الاب " لامنس " ان هذا الأخير يجزم بأن الموارنة لم يكن  لهم اي وجود في كسروان قبل القرن الخامس عشر والسادس عشر ، ويستند الى قول الادريسي والى اقوال الموارنة كالدويهي والقلاعي والسمعاني التي يستخلص منها " ان الطائفة المارونية لم تكن قد بلغت في القرن الخامس عشر شأنا بلغته فيما بعد ، فكان معظم ابنائها يسكنون في شمال لبنان " ويستنتج " لامنس " من هذا الكلام قائلاً : " اذا صح هذا في القرن الخامس عشر فكم بالحري يصدق على الموارنة قبل ثلاثماية سنة " .
ويقطع " لامنس " بالأمر قائلاً : وعندنا ان الموارنة لم يتوطنوا كسروان قبل القرن السادس عشر وهذا القول يمكن تأييده بأدلة كثيرة ...

وحسبنا اليوم ان نقول انه لا يوجد بين اديرة كسروان المتعددة دير واحد يسبق عهده القرن السابع عشر . وكذلك لم نطلع في تواريخ الموارنة على ذكر رجل من مشاهيرهم اصله من كسروان قبل القرن السادس عشر .واذا جاء ذكر الموارنة في تآليف الصليبيين فلا نراهم يذكرونهم الا في البلاد الواقعة بين طرابلس وجبيل . اما جنوبي نهر ابراهيم فلا نرى لهم فيه اثراً . وكذا قيل  في اديرتهم القديمة وكنائسهم فانها كانت شمالي نهر ابراهيم كما ان اصل قدماء بطاركتهم واساقفتهم من البلاد نفسها . حوالي السنة 1516 ، اتى بنو حبيش الموارنة من يانوح الى غزير وكانوا الاولين من الموارنة الذين جاؤوا كسروان بعد خرابه .